الجصاص
166
أحكام القرآن
روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمعته يقول لرجل : " من سأل منكم وعنده أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا " ، والأوقية يومئذ أربعون درهما . وقالت طائفة : " حتى يملك خمسين درهما أو عدلها من الذهب " ، واحتجوا في ذلك بما روى الثوري عن حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلا جاءت شيئا أو كدوحا أو خدوشا في وجهه يوم القيامة " ، قيل : يا رسول الله وما غناه ؟ قال : " خمسون درهما أو حسابها من الذهب " . وروى الحجاج عن الحسن بن سعد عن أبيه عن علي وعبد الله قالا : " لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما أو عوضها من الذهب " . وعن الشعبي قال : " لا يأخذ الصدقة من له خمسون درهما ولا نعطي منها خمسين درهما " . وقال آخرون : " حتى يملك مائتي درهم أو عدلها من غرض أو غيره فاضلا عما يحتاج إليه من مسكن وخادم وأثاث وفرس " ، وهو قول أصحابنا . والدليل على ذلك ما روى أبو بكر الحنفي قال : حدثنا عبد الله بن جعفر قال : حدثني أبي عن رجل من مزينة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من سأل وله عدل خمس أواق سأل إلحافا " . ويدل عليه ما روى الليث بن سعد قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول : إن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : الله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ فقال : " اللهم نعم " . وروى يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذا إلى اليمن قال له : " أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم " . وروى الأشعث عن ابن أبي جحيفة عن أبيه : " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ساعيا على الصدقة ، فأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائنا فيقسمها في فقرائنا " . فلما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الناس صنفين فقراء وأغنياء وأوجب أخذ الصدقة من صنف الأغنياء وردها في الفقراء ، لم تبق ههنا واسطة بينهما ، ولما كان الغني هو الذي ملك مائتي درهم ، وما دونها لم يكن مالكها غنيا ، وجب أن يكون داخلا في الفقراء فيجوز له أخذها ، ولما اتفق الجميع على أن من كان له دون الغداء والعشاء تحل له الصدقة علمنا أنها ليست إباحتها موقوفة على الضرورة التي تحل معها الميتة ، فوجب اعتبار ما يدخل به في حد الغنى وهو أن يملك فضلا عما يحتاج إليه مما وصفنا مائتي درهم أو مثلها من عرض أو غيره ، وأما ملك الأربعين درهما والخمسين درهما على ما روي في الأخبار التي قدمنا فإن هذه الأخبار واردة في كراهة المسألة لا في تحريمها ، وقد تكره المسألة